الأربعاء، 3 أغسطس 2011

هو الله الحي القيوم جل جلاله



بسم الله الرحمن الرحيم

هو الله

الحي

القيوم

جل جلاله

* الحي .. جل جلاله *

الحي هو .. الموصوف بالحياة الدائمة ..

الدائم الباقي الذي لا يموت ولا تأخذه سنة ولانوم .. هو وحده الدائم البقاء الذي لا سبيل إلى فنائه ولا يسبق حياته عدم وهو المدرك الفعال ..

فالحياة التي يوصف بها الله الواحد الأحد مغايره مغايرة تامة لحياة جميع المخلوقات من جميع الوجوه : فهي صفة من صفاته سبحانه فحياته جل شأنه حياة ذاتية أزلية أبدية ليس لها بداية وليس لها نهاية .. مجردة عن معنى الزمان والمكان .. منزهة عن الخصائص التي أعتاد الناس أن يعرفوا بها الحياة .. فالله سبحانه ليس كمثله شيئ .. فهو سبحانه الحيي المطلق أزلا وأبدا ..

الباقي أبدا سرمدا حياة ذاتية لا يشاركه في خصائصها أحد .. هو الواحد الأحد الذي ليس كمثله شيئ .. فكل ما سواه هالك وصائر إلى العدم ..

فهو سبجانه ..

الباقي حيا بذاته أزلا وأبدا .. له الإطلاق الكلي والنفوذ الفعلي وكل حي سواه ليس حيا بذاته وإنما يستمد حياته منه سبحانه .. الذي يحيي ويميت وهو الحي الذي لا يموت ..

هو الباقي بقاء مطلقا لم يسبق وجوده عدم ولا يلحق بقائه فناء ولا تأخذه سنة ولا نوم – سبحانه- له وحده الدوام والبقاء .. كل شيئ هالك إلا وجهه ..

يقول الإمام الغزالي – رحمه الله – في تفسير معنى اسم الله الحي .. أنه هو الفعال الدراك – فالحيي الكامل المطلق هو الذي تندرج; جميع المدركات تحت إدراكه وجميع الموجودات تحت فعله حتى لا يشذ عن علمه مدرك ولا عن فعله مفعول .. فالله هو الحيي المطلق وكل حيي سواه فحياته بقدر إدراكه وفعله ..

فإذا كانت درجات الحياة تتفاوت في المخلوقات ، طبقا لتفاوت درجات العقل والإدراك فالحيي المطلق هو الذي تخضع لسلطان قهره كل الموجودات .. هو الذي خلق الموجودات والأفعال ولا فاعل على الحقيقة إلا هو .. هو الذي خلق الإدراك وخلق التمييز للكائنات والموجودات وهو الذي خلق العقول والقلوب .. بل هو الذي خلق الحياة نفسها وكل حياة في الوجود مستمرة من وجوده .. فلا شك أنه سبحانه الحيي المطلق .. سبحانه وتعالى ..

إن صفة الحياة إذا نسبت للخالق سبحانه فهي الصفة الأولى التي يجب أن تكون لله جل علاه .. فكل صفة تأتي بعد الصفة الأولى للحق وهي ( الحيي ) .. والحياة بالمعنى الواسع هي أن يكون الشيئ على الصفة التي تبقى صلاحيته لمهمته .. فكل شيئ من جماد ونبات وحيوان وإنسان له حياة مناسبة له .. وكل شيئ في الكون بعد حياته هالك وفان إلا الله فهو سبحانه الخالد الذي له القضاء النافذ في الدنيا والآخرة وإليه مصير الخلق أجمعين .. قال تعالى . ( كل شيئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون )( القصص : 88 ) .. وقال تعالى : ( ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة ) ( الأنفال : 42 ) .. فإذا عرفنا أن مهمة الحق وإمكاناتها ومداها فوق التخيل والتصور .. وهي المهمة العليا التي لا يقطعها هلاك ولا فناء .. عندئذ تعلم أنه سبحانه الحي الأعلى وأن حياته هى الحياة العليا ولا أحد قادر على أن يسلب منه الحياة لأن أحدا لم يعط له الحياة .. سبحانه ..

* أسم الله الحي – في القرأن الكريم :

(1) ورد أسم الله الحي في القرأن الكريم عدة مرات

قال تعالى :

( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم )( البقرة : 255 )

وقال سبحانه ( آلم . الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) ( آل عمران : 1 )

وقال جل جلاله ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) ( طه : 11 )

وقال سبحانه ( وتوكل على الحي الذي لا يموت ) ( الفرقان : 58 )

وقال جل شأنه ( هو الحي لا إله إلا هو فأدعوه مخلصين له الدين ) ( غافر : 56 )

فدل الله سبحانه بقوله ( لا يموت ) على مغايرة حياته لجميع مخلوقاته لأن كل حي من المخلوقات يموت .. وقول الله تعالى ( هو ) تدل على إنفراد صفة الله عن صفة الخلق فهو حي بإطلاق وقيوم بإطلاق وما دونه من أي نوع من أنواع الحياة فهي حياة بقيد من عطاءه هو سبحانه ..


(2) وقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة دالة على أن الله هو الحي سبحانه وان حياته ذاتية أزلية أبدية :

قال تعالى : ( كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون ) ( القصص : 88 )

وقال سبحانه وتعالى : ( كــــل مـــن عليها فان ويبقى وجـــه ربـــك ذو الجـــلال والإكــترام )

( الرحمن:26-27)

* القيوم .. جل جلاله *

القيوم هو الذي لا ينام ولا يزول ولا يحول

القائم بنفسه على تدبير ملكه وخلقه في إنشائهم ورزقهم وأعمالهم وآجالهم .. القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها .. المستغني عن خلقه وهم إليه فقراء ..

فالقيومية هي القيام التام على كل شيئ في ملكه بالحفظ والعطاء والتدبير المحكم لجميع شئون خلقه وقيام كل شيئ به خاضع لهيمنته مستجيب لأمره فلا يتصور وجود شيئ و دوام وجود شيئ إلا به سبحانه .. مسبح بحمده ..

فهو جل شأنه قائم بذاته مستغني عن خلقه وهم الفقراء إليه .. وجودهم من وجوده وأمرهم كله منه وإليه .. فلله القيومية الشاملة على ما كان وما يكون وما هو كائن وله الملكية المطلقة التي لا يرد عليها قيد ولا شرط ولا فوت ولا شركة ..

إن محاولة تصور وتخيل حقيقة القيام على هذا الوجود بكلياته وجزئياته في كل وقت وفي كل حال في هذا الكون الهائل بكل ما فيه من دقة بإتساع وكثرة الخلائق والأشياء والأحداث ومحاولة تصور – بقدر إستطاعة العقل – تعلق كل هذا الكون في قيامه بالله وتدبيره هو تصور وتخيل هائل يحير العقول ويدير الرؤوس وتطمئن به القلوب وهذا أمر فوق الإدراك الإنساني ..

إن كل شيئ خاضع لتدبير الله وقيوميته في الدنيا والآخرة فليس لأحد مع تدبيره تدبير ولا إرادة.

وهو مع عظمة ودقة وإتساع وكثرة حقيقة القيام على هذا الكون في الدنيا والآخرة فيصف الله تعالى قيوميته بأنه ( ولا يؤده حفظهما ) أي حفظ السموات والأرض بما فيهما وما عليهما مع تثبيت كل شيئ في مكانه وتصريفه بحسب علمه ووفق مشيئته .. لا يعجزه شيئ أراده وقدره في ملكه فكل ما في ملكه في خير قدرته التامة .. فهو جل شأنه قد دبر ملكه تدبيرا محكما يخلو من التفاوت والخلل .. يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ويدير الملك بعلمه المحيط وأرادته التامة وقدرته المهنية المنجزة ..

وهو سبحانه في قيوميته هذه ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) فكل شيئ قائم به دون غفلة ولا نوم عن تدبير هذا الملك .. منزها سبحانه عنها إطلاقا .. فمن شأن المعبود بحق أن يكون قائما على عباده بكل ما يحتاجون إليه وما يفتقرون إليه ..

هو سبحانه القيوم المطلق أزلا وأبدا ..

القائم بذاته على الإطلاق .. لا يفتقر في قيامه إلى غيره .. بل هو المقيم لغيره المستغني بذاته ولا غنى لغيره عنه ولا قوام لأي شيئ إلا به المنزه عن التحيز والحلول المبرأ عن التغير والفتور سبحانه لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري الأرواح وهو البالغ النهاية في الكمال في ذاته وصفاته وفي تدبير الملك والملكوت ولا قيوم سواه .. ولا يطلق هذا الاسم على غيره ولا يوصف بها سواه .. فصيغة المبالغة لقائم ( قوّام ) أما ( قيوم ) فلا يوصف بها إلا الله سبحانه ..

وتتجلى قيومية الله سبحانه في الدنيا لأهل الخبرة والمعرفة بالسنن الكونية فيؤمنون به إيمانا راسغا على النحو الذي أراده الله جل شأنه .. ويشهدون بأنه المعبود بحق دون سواه ..

فمثلا .. إن حياة الإنسان تتوقف على أشياء كثيرة لا دخل لإرادة الإنسان فيها .. ولا تتم حياته إلا بها وكلها فيوضات ونعم من الله القيوم جل جلاله .. مثل إحتياج الإنسان إلى الأوكسجين والماء .. ومثل قيام الوظائف الحيوية لجسم الإنسان دون تدخل ولا فهم وما إلى ذلك من الإنسان ذاته وإحاطة الإنسان بالنعم حوله من شمس و طعام وما إلى ذلك كما قال تعالى : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم )( النحل : 18 ) .. والكون الفسيح الذي لم يخط بأطرافه المترامية وأسراره المطوية يسير في نظام متكامل دقيق لا يقوم إلا بقيومية الله تعالى .. قال تعالى : ( إن الله يمسك السمـــوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهمت من أحد بعده إنه كان حليما غفورا ) ( فاطر : 41 ) .. فبدون الله وقيوميته لإختلت موازين الكون كلها ..

إن القيومية الإلهية اللازمة لإدارة الكون لهي الدليل الأول والأوضـح على وحدانية الله تعالى وأنه ( لا إله إلا هو ) فلا يوجد إله آخر حتى يرينا نفسه ودلائل قدرته ..

وقيوميته سبحانه أيضا تتطلب أن يكون له أزلية الحياة سبحانه وتعالى هو الحي .. وحياته باقية بقاء الأبد الذي لا يعرف الحد .. وذلك من أجل المدد لكل الخلائق والأكوان .. سبحانه .. هو سند المؤمن في كل حركاته وسكناته .. في حياته ..

وإن خلق الله في نظام دقيق وفقا لقوانين دقيقة تجعل الكون منظومة متكاملة تشهد بوحدانية الله .. إن وجود هذه القوانين والنواميس الكونية لا تناقض قيومية الله الأبدية الأزلية المستمرة المتصلة على الكون فقوانين نظام العمل بالكون بكل دقائقه هي مخلوقة وفقا لمشيئة الله وليس لها في نفسها أية ذاتية واستمراريتها وتغيرها أو بقاءها إنما هو بإرادة الله تعالى وحفظه ومشيئته فهو سبحانه القائم على كونه وخلقه فلا يترك كونه ولا خلقه لحظة واحدة وذلك لإحتياج الكون والخلق لقيومية الله تعالى وهو الغني بذاته القائم بذاته لا يحتاج إلى أحد ولم يقمه غيره وهو الخالق الذي يقيم غيره ولا حياة ولا قيام لغيره إلا به سبحانه .. هو الأزلي وكل ما دونه متعدد كتكرر هالك ..

والدليل على أنه سبحانه القيوم الذي يقوم على ملكه لا يتركه لحظة هو أنه سبحانه يقّدر أحيانا ما يناقض القوانين التي وضعها والتي تتصف بالدقة وعدم الإختلال بالزمن وعدم التأثر بأي شيئ ..

فهو سبحانه طلب من عبداه الأخذ بالأسباب .. وعندما لا تستجيب الأسباب وتجد أنه لا منفذ ولا مجيب ولا قادر إلا الله الحيي القيوم فيفزع المؤمن بقلب خالص إلى ربه صادق الرجاء قائلا : يا رب .. يا حي يا قيوم بك أستغيث .. عالما بأن الله هو القادر حتى عجزت الأسباب وهو القائم على كونه في كل لحظة وثانية .. يبدل العسر يسرا واليأس أملا وفرجا .. عندئذ تأتي الأقدار بما يخالف القوانين والنواميس وتشهد قدرة الله وقيوميته في مخالفة النواميس والقوانين بمشيئة الله وإرادته وذلك بوقوع ما كان يظن أنه مستحيل وغير ممكن فتشهد في القلب وترى في الكون رأي العين أنه سبحانه حي قيوم له الأسماء الحسنى .. وأمثلة هذه الأحداث المخالفة للعقل والقوانين الكونية كثيرة.. ومنها ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز على سبيل إضاءة الأنوار في طريق الإيمان بقيومية الله تعالى وسنتبع ذكر ذلك لاحقا ..

ولا زالت الدنيا تنطق بقيومية الله تعالى فتجد الأمطار تنزل كالسول على مناطق كانت نادرة المطر ويحدث الجفاف في أماكن لم تعرف الجفاف أبدا .. دليلا على أن العالم ليس ميكانيكيا ولكنه يسير بقيومية الخالق سبحانه ..

قيل في بعض كتب العلم : قال بنو اسرائيل لموسى : يا موسى هل ينام ربك ؟ قال : أتقوا الله . فناداه ربه عز وجل : ياموسى سألوك هل ينام ربك فخذ زجاجتين في يديك فقم الليلة .. ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبته ثم إنتعش – أي أنتبه – فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فأنكسرتا .. فقال : يا موسى أنام لسقطت السموات والأرض فهلكت كما هلكت الزجاجتان في يديك ( ابن كثير 1/309 – وعزاه إلى ابن أبى حاتم من قول بن عباس ) .

وأخيرا وليس آخرا .. فإن قيومية الله تعالى وتصرفه للميلاد والموت والغنى والفقر وسائر الأعمال قائمة على البر والمؤمن والمتمرد والكافر .. ولا يجرؤ متمرد أو كافر أن يتمرد على المصائب التي تحدث له وأن تمرد على منهج الله .. فتمرده هذا هو من باطن خلق الله وإرادته للإختيار الذي أودعه في الإنسان .. سبحانه هو الذي أوجد وأعدم وأغنى وأفقر وأمرض وقهر المرضي بالصحة سبحانه .. وثيومية الله تعالى بقهره وقوته وحياته وعلمه لا يقدر عليها مادة ولا روح ولا مخلوق .. كل مقهور لإرادته سبحانه في إطار ( ليس كمثله شيئ ) ( الشورى : 11 ) ..

* اسم الله القيوم في القرآن الكريم :

ورد اسم الله القيوم في القرأن الكريم في ثلاثة مواضع مقترنا باسم الله الحي ( ذكرت في الحديث عن اسم الله الحي ) ..

وفي إشارات قرآنية وتلميحات إلهية لكل مؤمن بالله تعالى سبحانه أنه هو القيوم ذكرت عدة قصص قرآنية تدل على وقوع أحداث تخالف القوانين الطبيعية التي وضعها الله سبحانه كدليل قاطع وبيان واضح بأن وجود القوانين الثابتة والوظائف الكونية والحيوية الدقيقة التي يقوم بها الكون والخلق إنما هو وجود مرتبط إرتباطا كاملا بوجود الله وإرادته ومشيئته وقيوميته لا تساير هذه القوانين في أي وقت وفي أي مكان وزمان وقفت القوانين الكونية أمام إرادة الله لتصبح الإرادة هي القانون وتصبح المشيئة هي الواقع الفعلي للأحداث .. لنرى أنه لا قانون ولا أحداث ولا أفعال إلا قانون الإرادة والمشيئة الإلهية المتصف بدوام القيام والقيومية الأبدية الأزلية ..

ومن هذه الإشارات والتلميحات قصة السيدة هاجر رضى الله عنها هي وأبنها وليدها في صحراء جرداء وتتركه وتسعى وراء الأسباب من أجل الماء وتسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط حتى تعبت وتوقفت بها الأسباب وتوجهت إلى الله تعالى بإخلاص ويقين أن الله تعالى القيوم لن يضيعها هي ولا وليدها فيبعث الله الفرج على يد الطفل الضعيف الذي لا يملك من الدنيا شيئا فيضرب الأرض بقدمه فينفجر الماء ويبقى بئر زمزم حتى وقتنا هذا دليلا لأولي الأبصار على قيومية الله تعالى .. قال تعالى : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فأجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وأرزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون )(ابراهيم : 37 ) ..

ومن هذه الأنوار القرآنية قصة سيدنا موسى عندما خافت عليه أمه من القتل أمرها الله تعالى أن تلقيه في البحر .. وفي هذا مخالفة واضحة لكل قوانين العقل فكيف ترمي طفل رضيع في خطورة الغرق في البحر تعصف به الريح هنا وهناك دون طعام ولا شراب ولكن إرادة الله القيوم تحول الخطورة إلى سلامة وتحول الريح العاصف والماء الذي يغرق إلى أسباب تحمل الطفل في عناية الله ورعايته إلى بر الأمان .. ومن آيات الله التي توضح أن إرادته نافذة أن من يبقى على حياته ويطعمه ويشربه هو من خافت منه أمه أن يقتله .. فعاش سيدنا موسى في رحمة الله لا يناله عدو وإن كان في بيته .. أليس الله هو الحي القيوم ؟ بلى وانا على ذلك من الشاهدين ..

قال تعالى : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإن خفتي عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) حتى قال تعالى ( فرددناه إلى أمه كى تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون )( القصص : 7-13 ) .. ففي لحظة إلقاء الأم لوليدها في البحر كان هناك في قلبها بعدما تعطلت بها الأسباب أن اليقين بالله هو المنقذ الوحيد فألقته وهي واثقة من ان الله سبحانه يستطيع أن يفعل ما يريد عندما تقف الدنيا عن العطاء .. فهو سبحانه لا ينام أبدا ولا يغفل أبدا ولا يخرج عن علمه وأرادته أي شيئ في الكون ولا الملكوت فإذا لم يرى الناس جميعا فإنه سبحانه يرى .. ويرى ما لا يراه الناس وإن رأوه .. وإن لم تصل عدالة الأرض لتقتص من الظالم فإن عدالة السماء لا تنام ..

يقول تعالى : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون . إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار) ( ابراهيم : 42 ) ..

وذكر الله تعالى في القرآن الكريم من آيات قيوميته التي تنقض العزائم وتنسخ القوانين جعله النار بردا وسلاما على سيدنا ابراهيم وتحويل الماء إلى جبل وجعل الماء ينفجر من الحجر الأصم لسيدنا موسى ..

مل هذه الآيات القرآنية تدل على أن العالم ليس ميكانيكيا فما حدث من معجزات إن هي إلا بيان لقيومية الله المباشرة لملكه سبحانه ..

قال تعالى مخاطبا سيدنا نوح عليه السلام ( وأصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون ) ( هود : 37 ) فالله يراقبه ويوجهه ولا يتركه يتصرف من تلقاء نفسه ولا يغيب عنه شيئ .. سبحانه قيوم السموات والأرض ..

* ما نتعلمه من أدب اسم الله الحي القيوم .. جل جلاله :

(1) لقد دعانا الله سبحانه وتعالى إلى التولك عليه والإلتجاء إليه والإعتصام به

( وتوكل على الحي الذي لا يموت )

فأقطع قلبك عن التعلق بالخلق كي توصله بالخالق .. فإذا علمت أنه سبحانه القائم بأمرك فأستغني به عمن سواه ..

فحسبك لنفسك من التوكل ألا ترى لنفسك ناصرا غير الله .. ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعلمك شاهدا غيره .. فتوكل على الله الحي الغني وأجعله حسبك وعليه معتمدك ..

وإذا علمت أن الله هو القائم بأمرك إستراح قلبك من الهموم والأحزان والغموم .. فمن كان رزقه على الله فلا يحزن ومن كان جسبه الله فلا يخاف ..

فالله القيوم يطمئنا ويخبرنا أنه ( إن نتم فأنا لا أنام .. فانا الحي القيوم الذي لا ينام ) فإن آمنت بذلك إمتلأ كيانك بالأمن والأمان لإحساسك بقيومية الله التي تحرسك في حياتك والتي يقوم بها الله بأمر الخلق جميعا .. فهو سبحانه يقول هذه الآية مشيرا إلى أنه يا عبدي نم أنت ولا تخش شيئا فإني أحرسك وأرعاك في نومك وفي يقظتك فلا تدع القلق يدخل نفسك .. فنم دون قلق فالله القيوم أنت في حمايته .. فإن كان البعض من الناس يأمن وينام مطمئنا إذا كان على منزله رجلا ساهرا لا ينام .. فما هو الحال من كان الله حارسه .. قيوم السموات والأرض .. هو الذي يرعاك في أشد اللحظات وأحلك الأوقات ..

قال تعالى : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولائك لهم الأمن ) ( الأنعام : 82 )

(2) الحب والقرب من الله في ظل اسمه الحي جل جلاله :

إن أحببت مخلوقا فهو لا محالة ميت فبكيته وحزنت على فراقه .. فما الحال إن أحببت الحي الذي لا يموت .. وما هو حالك إن أحببت الحي القيوم الباقي ..

(3) كون الله هو الحي .. فسبحانه لا تضيع ودائعه :

فكل ما ينفق في سبيل الله هو في الحقيقة مدخرا له عند الله الغني الحي القيوم الذي لا تضيع عنده الودائع .. فيا من تخزن المال والغلال .. تأمل اسمه تعالى الحي ..


(4) من حق المنعم عليك القيوم على إيجادك والحفيظ لكل أسباب حياتك والمعطي لك كل ما عليه قيامك وكل شيئ قائم بأمره .. من حقه عليك أن تكون وفيا في حركاتك وسكناتك وفي ظاهرك وفي باطنك لله رب العالمين وألا تكون ظهيرا لأحد دونه .. قال تعالى : ( قال رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيرا للمجرمين )( ) .. فيالضيعة الوفاء على موائد اللئام .. يأكلون من خيره وينيبون إلى غيره .. والحساب على الله الحي القيوم .. ومن هنا كان

الخوف من الله .. وخشية الله

قال تعالى : ( ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد )( )

وقال تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) ( )

وقال سبحانه : ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)( )

إن الخوف من الله من المقامات العلية التي لا يقدر عليها إلا من أستحضر في حياة قلبة أن الله سبحانه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم .. وهو سبب لدخول الجنة ..

(5) في ظل اسم الله القيوم وفي أنوار قيومية الله سبحانه يجب أن تقطع قلبك عن التعلق بالخلق فإذا أنقطع التعلق بالخلق تماما وصل قلبك إلى التعلق بالخالق القيوم فهو القائم بأمرك فأستغنى به عمن سواه ..

فيجب على المؤمن أن يكون توكله على الله الغني القيوم وان يكون الله حسبه وعليه معتمده .. فأنت أيها المؤمن مقهور لله فيما لا أختيار لك فيه ومنقاد لحكم الله فيما لك فيه أختيار .. لا تصرف لك في نفسك ولا في نبض قلبك ولا في حركة أمعائك ولا في كثر من حالاتك .. ورحمة الله بك أنه بقيوميته جعلك مقهورا فيها دون رأي وإلا فكيف تنظم التنفس وضربات القلب وأنت نائم .. فقيوميته رحمة وحكمة ..

فكيف تتعلق بغير الله .. ويا من أشركتم بالله تعالى وجعلتم له أندادا .. أين عقولكم في شركاء لا تضر ولا تنفع .. والحق هو المنزه سبحانه بقيوميته فأستغنى بالله عمن سواه من أوثان أو دينا أو مال أو ما دون ذلك ..

(6) يا من كنت عبدا للحي القيوم .. فأستحي من الله ( فمن كان له رب فعليه أن يستحي فلا يحمل هما للرزق ) ..


* اسم الله الحي القيوم في ما ورد عن سيدنا محمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) :

عن على – رضى الله عنه – قال : لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنظر ماذا يصنع فإذا هو ساجد يقول : يا حي يا قيوم لا يزيد على ذلك شيئ .. ثم رجعت إلى القتال ثم جئت إليه فوجدته يقول ذلك .. فلا أزال أذهب وأرجع وأنظر فأجده لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله علينا بالنصر المبين ..

وقد ورد أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أوصى إبنته فاطمة – رضى الله عنها – أن تقول صباحا ومساءا : يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث .. أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ..

وجاء في صحيح البخاري أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان إذا قام يتهجد بالليل دعا ربه فقال : ( اللهم لك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد ولك ملك السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد صلى الله عليه زسلم حق والساعة حق .. اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنيب وبك خاصمت وإليك حاكمت فأغفرلي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله ) ..

وروى عن أبى على الكتاني – رضى الله عنه – قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت يا رسول الله ادع الله ألا يميت قلبي فقال إذا أردت أن يحيا قلبك فلا يموت أبدا فأكثر من ترديد هذا القول وتكراره ( يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت ) ..


* الذكر والدعاء في ظل اسم الله الحي القيوم سبحانه :

يرى بعض العلماء أن ( الحي القيوم ) اسم الله الأعظم .. مثلما جاؤ في تفسير القرطبي ..

ويقال أن عيسى عليه السلام كان إذا أراد أن يحي الموتى يدعو بهذا الدعاء : يا حي يا ق¡0;وم

ويقال أن أصف بن برخيا – لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان دعا بقوله : يا حي يا قيوم

ويقال أن بني اسرائيل سألوا سيدنا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم : ( إياهيا شراهيا ) يعني ( يا حي يا قيوم )

ويقال هو دعاء أهل البحر إذا خاوفوا الغرق يدعون به .. كما قال القرطبي ..

ومن الأدعية ما ورد عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم : ( اللهم أسألك بأن الحمد لك لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم ..إني أسألك ..)ويسمي حاجته ..

إن المؤمن إذا فهم معنى هذين الاسمين العظيمين وذكر الله بهما قبل الدعاء وبعده فإن الله عز وجل يستجيب له بشرط أن يكون قد أطاب مطعمه وأخلص في دعائه وكان موقنا بالإجابة ..

وقيل أن كثرة ذكر اسم الله الحي يبرئ من المرض ويهب الحياة السعيدة الفاضلة ..

وقيل أن كثرة ذكر اسم الله القيوم يقي من عوارض النسيان ويقوي حفظ البليد وينور قلبه ..

وقيل أنهما شفاء لمن يكثر نومه إذا قرأ على رأسه ( آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) ..

وتكرار ذكر هاذين الأسمين العظيمين يحي القلوب بإذن الله من الموات ..

وقيل من ذكر ( يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ) من الفجر إلى طلوع الشمس بعث الله في نفسه النشاط وجنبه الخمول والكسل وفتح له باب الفهم والحفظ والعلم والعمل ..


هناك تعليق واحد:

  1. ceramic vs titanium - TITanium Arts
    Ceramic Ceramic Art titanium hair trimmer in black titanium TITanium Art. TITanium Art. TITanium Art. titanium chloride TITanium babyliss pro nano titanium straightener Art. titanium gr 2 TITanium Art. TITACO.TITACO.TITACO.TITACO.TITACO.TITACO.TITACO.TITACO.TITACO.TITACO.TITACO.TITACO.TITACO.TITACO.

    ردحذف